حسن الأمين
63
مستدركات أعيان الشيعة
أتعبته الرحلة كثيرا وزادت في انحطاط قوته ، مع أنه في كل يوم كان يقطع مسافة غير طويلة ، وفي الطريق إلى ميافارقين نزل بدير مارماري وقد اضمحلت قوته أو كادت ، واستبد به الضعف والإعياء ، واستدعى لدى حلوله في الدير بشراب ، لكن معدته لم تسعفه بل دفعته خارجا ، مما جعل من حوله نهبا للقلق وجعله آيسا من الشفاء . ثم إن الراهب الموكل بالدير جاء له بشيء من الرمان ، وسال بعض الغلمان هنالك أن « يفرطوا » بعض حب الرمان له ، فقيل له إنه لا يستطيع أن يتكلم ولا أن يسمع الكلام ، وأن إقهاءه عن الطعام قد بلغ حد الامتناع الكلي ، وأن معدته لا يثبت فيها طعام أو شراب ، فالح الراهب على إعطائه شيئا من حب الرمان « لعله ينتفع ببركة الدير » فتناول منه شيئا يسيرا ثبت في معدته ، وجعل يأخذ منه بالتدريج شيئا بعد شيء ، حتى عاد إليه بعض قوته وانتعشت نفسه بعض انتعاش . وكان الراهب قد طبخ لغلمان الدير عدسا ، فاشتهى الوزير بعضه ، وبعد ما أكل نهض وتمشي على السطح متفرجا ، واعتقد أنه تماثل من مرضه . وفي الفترة نفسها التقى به الشاعر أبو نصر المنازي ( 1 ) ومدحه ، وتاريخ مدحته له هو سنة 406 ، وتجمع المصادر على أن المنازي وزر لنصر الدولة ولعل ذلك كان بعد وفاة المغربي . ومطلع قصيدته المشار إليها : اصفح لطرف الصب عن نظراته إن كنت آخذه بما لم يأته ومنها في المدح : ولئن جزت نعم الحسين محامد فليجزين الغيث عن هطلاته أقنى وأغنى فانقلبت ولي به شغلان بين صفاته وصلاته حاولت عد خلاله فوجدتها تشقى الرواة لها شقاء عداته أبصرت سبل المجد من لحظاته وأفدت حسن القول من لفظاته وأرى الفصاحة والسماحة والغنى ومكارم الأخلاق بعض هباته ورث المعالي عن علي وابتنى رتبا مشيدة إلى رتباته وكذاك لابن القيل إرث علائه فرضا ولابن القين إرث علاته ( 2 ) 5 - توفي الكافي وزير قرواش ، وأصبح الجو ممهدا لعودة الوزير المغربي إلى الموصل ، فكتب إليه قرواش يعرض عليه الوزارة ، وما كاد يتسلم رسالة قرواش حتى وجد في نفسه نزوعا شديدا إلى مبارحة بلاط نصر الدولة . وقد نظن لأول وهلة أن سحر الموصل الخلاب قد ظل يداعب خياله ، وهذا إن صح فإنه لا يكفي لتعليل سرعة الاستجابة لديه ، وإذن فلا بد أن منزلته العظيمة عند نصر الدولة كانت قد أخذت تنحدر . ويقص علينا نصر الدولة قصة ما حدث فيقول : « لما خدمني عند مجيئه من مصر ، وما جرى له مع الحاكم ، جاءني يوما ومعه سدس كاغد فقال لي : قد أثبت في هذا السدس أسماء أصحابك الذين قد أخذوا أموالك وأخلوا خزانتك من مال يعد فيها لحاجة أو شدة ما قيمته ثلاثمائة وسبعون ألف دينار - شك الوزير في ذلك - وقال : إذا أخذت هذا القدر منهم لم تجحف بأموالهم وكان كل منهم مرتبا في خدمته ومركزه وولايته ، وتكون قد تقضيت من أموالك التي احتجنوها ما جعلته لك خزانة وعدة » ( 3 ) عند هذا الحد ذكره نصر الدولة بأنه جعله وزيرا ليعمر البلاد ، فإذا عمرت در دخلها وكفته وكفت أصحابه ، ولم ينصبه ليقوم بمصادرة أصحابه ، وهذا شيء سهل لا يحتاج إلى جهود وزير ، ويستطيع أن يقوم به على أكمل وجه أدون خادم عنده . عندئذ شعر الوزير المغربي أنه عثر عثرة ربما لا تستقال ، وأن نصر الدولة إذا سرب الخير إلى أصحابه نقموا على الوزير ، ولذلك قال لنصر الدولة : « إذا كان هذا رأيك فاحرسني من أصحابك ، ولا تطلعهم على ما قلته في معناهم فيفسد ما بيني وبينهم » ( 4 ) فضمن له نصر الدولة ما أراد . ولكن القلق لم يغادر نفس الوزير ، وأخذ يتحين الفرصة لمغادرة ديار بكر ، وكانت رسالة قرواش هي باب النجاة . ولكنه لم يشأ أن يكشف سره لئلا يحول نصر الدولة بينه وبين الرحيل ، بل أخذ يعمل الحيلة للهرب ، فقال لنصر الدولة : « قد جرى في الجزيرة خلف بين الضامن لها وبين فلان وتفاقم الأمر فيه إلى أن احتاج إلى مشارفتي له وإصلاحه بنفسي . فتأذن في الانحدار إلى هناك ؟ « ( 5 ) ، وهذا ما عبر عنه ابن العديم في موطن آخر بقوله : « على سبيل اعتبار الأعمال وتصفح العمال » ( 6 ) . وحدد الوزير المغربي مدة الغياب بعشرين يوما ، يستطيع أثناءها أن يحسم خلافا ربما استشرى حتى يشغل قلب نصر الدولة ، وفهم نصر الدولة أنه يريد مفارقته ، بل يؤكد أنه أدرك أن الوزير يريد المضي إلى قرواش أمير بني عقيل ، ولعل عيونه كانت قد أطلعته على ذلك ، فقال له : افعل ما ترى . وانهمك الوزير في إعداد ترتيباته للرحيل . يكمل نصر الدولة القصة فيقول : « فجاءني موسك خالي وقال لي : عرفت أن أبا القاسم المغربي على الانحدار إلى الجزيرة ، وكذب ، فإنه بنية المضي إلى الموصل ؟ فقلت : قد عرفت ذلك وعلمته ، ودعه يمضي إلى اللعنة ، فما في مقامه هاهنا لكم فائدة . قال : وتدعه يمضي وقد أخذ أموالك وسرقها وحصلها واحتجنها ، ولم تقبض عليه ، وتأخذ ما أخذ ثم تصرفه إلى اللعنة وسوء المنقلب ؟ فضحكت منه وقلت : ليس كل من يأخذ مالي أرتجعه منه ، ولعمري إنه خدمنا وانتفع منا وكسب معنا . وأخذ ذلك منه لؤم ، فأمسك « ( 7 ) . وكان موسك خال نصر الدولة أحد الضحايا لخطة المصادرة التي رسمها المغربي ، لو أنها نفذت ، ولذلك كان يترصد خطوات الوزير ويكيد له ويحرض عليه . وسار ابن المغربي إلى الجزيرة متوجها نحو الموصل ، وظل يسير حتى شارف تلك المدينة ، وحط رحاله على مقربة منها حتى إذا جنة الليل سرى إليها ووصلها مصبحا ، واجتمع بقرواش ، وتقلد له الوزارة ، وأخذ يسفر في شؤون كلفه بها قرواش من وساطة بينه وبين السلطان البويهي ، ولم ينس الوزير أن يعمل لمقبل الأيام إذا عاد قرواش فتغير عليه ، فاخذ يكثر من لقاء
--> ( 1 ) ترجمة المنازي أحمد بن يوسف في وفيات الأعيان 1 : 143 وسير أعلام النبلاء 17 : 583 والوافي 8 : 285 ( وكانت وفاته سنة 437 ) ( 2 ) بغية الطلب 2 : 157 - 158 والعلاة : السندان ، والقين : الحداد . ( 3 ) بغية الطلب 2 : 64 . ( 4 ) المصدر نفسه . ( 5 ) بغية الطلب 2 : 64 . ( 6 ) بغية الطلب 5 : 26 . ( 7 ) بغية الطلب 2 : 64 .